حسن عيسى الحكيم

176

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

وفريضة ، وكل من لا يمتثل أمره يكون مصيره القتل بعد أن يحكم له بخصلتين يجاب إليهما كائنا ما كانتا « 1 » . وقد التقى ياقوت الحموي مع المسعودي في أسطورته لبناء الغريين ولكنه اختلف معه في سبب بنائه لهما إذ أنه ذكر أن المنذر قد بنى الغريين اللذين بناهما صاحب مصر وجعل عليهما حرسا ، فكلّ من لم يصلّ لهما قتل ، إلا أن يخبره بخصلتين ليس فيهما النجاة من القتل . ويعطيه ما يتمنّى في الحال ثم يقتله فغير بذلك دهرا « 2 » . وعاد ياقوت الحموي إلى القول ( ويغلب على ظني أن المنذر لما صنع الغريين بظاهر الكوفة ، سنّ تلك السنة ، ولم يشترط قضاء الحوائج الثلاث التي كان يشترطها ملك مصر ) « 3 » . ولم يوضح ياقوت اسم الملك المصري والفترة الزمنية التي كان يحكم فيها ، وأن المصادر لم تشر إلى ذلك مطلقا . لقد غلب على النصوص المتقدمة الاختلاف الواضح في تشخيص الأفراد والمواقع ، مما جعلنا نميل إلى التشكيك في صحتها لأن الخيال يغلب على بعض جوانبها . ويقول الأستاذ الدكتور جواد علي : إن في هذه النصوص شيئا من أثر الصنعة والتكلّف « 4 » . والراجح أن الغريين كانا قبرين في أرض النجف قبل الإسلام وقد جرت العادة على غريهما بالدماء حتى أصبحت تلك العادة تشكل ظاهرة اجتماعية بارزة ، دفعت الناس إلى التساؤل عن أسبابها الأمر الذي جعلهم يفسرونها تفسيرات عديدة ولم يحاول المؤرخون واللغويون والجغرافيون وغيرهم من الباحثين تحقيق صحتها ، بل اكتفوا بسردها على النحو الذي ذكرناه . وللأستاذ جواد علي رأي جاء فيه : ( ولكننا نستطيع أن نقول إن الغري أو الغريين من المواضع التي لها صلة بعبادة الأوثان ، ومن الجائز أنهما كانا مخصصين لتقديم الذبائح والقرابين في المواسم الدينية وفي الأعياد . وقد

--> ( 1 ) المسعودي : مروج الذهب 3 / 330 . ( 2 ) ياقوت : معجم البلدان 4 / 197 . ( 3 ) ياقوت : معجم البلدان 4 / 198 . ( 4 ) جواد علي : المفصل في تاريخ العرب 3 / 238 .